أزمة الكهرباء في سوريا: الأسباب والحلول المحتملة لتجاوزها

تعاني سوريا من أزمة كهرباء مستمرة تفاقمت مع مرور الزمن، إذ أن هذه الأزمة ليست وليدة الحرب فحسب، بل هي امتداد لمشكلة قديمة تفوق عقوداً من الزمن، حيث لم تتمكن البلاد من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في مجال إنتاج الكهرباء. اعتمدت سوريا طوال هذه الفترة على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد من دول الجوار لتلبية احتياجاتها.
في عام 2010، أنتجت سوريا حوالي 6500 ميغاوات من الكهرباء، بينما كان الاحتياج الفعلي يتجاوز 8600 ميغاوات، مما يعني أن هناك عجزاً بحوالي 2100 ميغاوات، والذي كان يتم تغطيته جزئياً من خلال الاستيراد.
تعتمد سوريا بشكل كبير على المحطات الحرارية التقليدية لتأمين حوالي 94% من مجموع الكهرباء المنتجة، وتعمل هذه المحطات على الوقود البترولي بنسبة تزيد عن 60%، في حين يتم تزويدها بالغاز الطبيعي للنسبة المتبقية.
العوامل الرئيسية المسببة لأزمة الكهرباء
- انهيار البنية التحتية: منذ عام 2013، تعرضت أكثر من 30 محطة طاقة للتدمير، وتعرض حوالي 40% من خطوط الجهد العالي للتلف. كما أن المحطات الحرارية بحاجة مستمرة للصيانة وقطع الغيار التي يصعب تأمينها بسبب العقوبات الدولية، فضلاً عن نقص التمويل.
- نقص الوقود: عانت سوريا مؤخراً من صعوبة في تكرير النفط واستخراج مشتقاته، مما أثر على إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء. تراجعت واردات الفيول من 15 ألف طن إلى 1200 طن، كما انخفض إنتاج الغاز من 20 مليون متر مكعب إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً.
- العقوبات: العقوبات الأوروبية والأميركية فاقمت من الأزمة، حيث منعت توريد المعدات والتكنولوجيا لصيانة المحطات، فضلاً عن القيود التي فرضت على الاستثمار الأجنبي في القطاع الكهربائي، مما عرقل إمكانية تطويره.
الآثار المترتبة على استمرار أزمة الكهرباء
- تفشي الأزمة الاقتصادية: يؤدي التقنين الكهربائي المستمر إلى تقليص الإنتاج الصناعي والزراعي، مما يعوق تشغيل المنشآت الاقتصادية ويؤدي إلى تراجع فرص العمل.
- زيادة تكاليف المعيشة: ارتفاع أسعار المحروقات للمولدات الخاصة وزيادة الاعتماد على الأمبيرات يمثل عبئاً مادياً على المواطن السوري.
- تدهور الخدمات الأساسية: العديد من المؤسسات الصحية والخدمية تعاني من انقطاع التيار الكهربائي أثناء تقديم الخدمات، مما يفاقم من الأوضاع الإنسانية.
خيارات الدولة السورية لحل أزمة الكهرباء
- إعادة تأهيل البنية التحتية: يشدد الدكتور عبد الرحمن الجاموس، الخبير في الإدارة الاستراتيجية، على أهمية إعادة بناء ما يمكن تأهيله من البنية التحتية لقطاع الكهرباء دون انتظار بدء عملية إعادة الإعمار، التي قد تأخذ وقتاً طويلاً بسبب تعقيدات سياسية دولية. يمكن أن يساعد تعليق العقوبات الأوروبية في إبرام عقود لتطوير الإنتاج الكهربائي واستيراد محطات توليد الكهرباء.
- تأمين موارد إنتاج الكهرباء: مع نقص الغاز لتشغيل المحطات، بدأت دولة قطر بتقديم إمدادات من الغاز الطبيعي عبر الأردن إلى سوريا، في خطوة تهدف إلى تحسين أداء البنية التحتية وزيادة الإنتاج الكهربائي. تهدف هذه الإمدادات إلى توليد 400 ميغاوات في المرحلة الأولى، مع زيادة الإنتاج تدريجياً.
- الطاقة الشمسية: يعتبر الاعتماد على الطاقة الشمسية أحد الحلول الواعدة لتأمين الكهرباء في سوريا، بالنظر إلى توفر الشمس لعدد كبير من ساعات السنة. يمكن للوزارات المختصة التعاقد مع شركات دولية لبناء مشاريع للطاقة الشمسية، مما سيساهم في توفير الكهرباء وتقليل الضغط على محطات الطاقة الحرارية.
- رفع الطاقة الاستيعابية لاستيراد الكهرباء: يرى الدكتور الجاموس أن سوريا قد تستفيد من الربط الشبكي العربي، خاصة مع دول الخليج التي تمتلك فائضاً في الطاقة. كما يمكن زيادة الاستيراد من الأردن وتركيا.
- تشجيع الاستثمارات الخاصة: تشير تجارب سابقة إلى إمكانية استفادة سوريا من القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء، كما حدث في مدينة إدلب قبل انهيار النظام، حيث كانت الشركات الخاصة تنتج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية.
التمويل والتحديات المستقبلية
يحتاج قطاع الكهرباء في سوريا إلى استثمارات ضخمة تقدر بحوالي 40 مليار دولار لإعادة تأهيل وصيانة البنية التحتية. في حال عدم توفر هذه الموارد، قد تضطر الحكومة إلى إيجاد حلول إسعافية مثل توسيع استخدام الطاقة الشمسية وزيادة استيراد الكهرباء من دول الجوار.
أخيراً، تعتبر المنح المقدمة من الدول الحليفة، مثل الغاز الطبيعي من قطر، خطوة إيجابية نحو تحسين الوضع الكهربائي في البلاد، لكنها تظل حلاً جزئياً في ظل استمرار العقوبات والمعوقات المالية.