الخطاب التاريخي لأنور السادات أمام الكنيست الإسرائيلي: رؤية متقدمة في زمن الجمود العربي

في يوم 20 نوفمبر 1977، وقف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات أمام الكنيست الإسرائيلي ليُلقي خطاباً تاريخياً حوَّل مسار الصراع العربي الإسرائيلي، وكشف عن رؤية استثنائية تجمع بين القوة والمبادرة، بين التمسك بالحقوق العربية والجرأة في طرح السلام. كان هذا الخطاب لحظة فارقة، ليس فقط لأنه كسر حاجز الخوف النفسي من التوجه إلى العدو المحتل، بل لأنه طرح رؤية واضحة لحل الصراع، رؤية ما زالت حتى اليوم تتفوق على مواقف كثير من الزعماء العرب الذين تقاعسوا عن إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.
الخطاب بين التمسك بالحقوق والدعوة إلى السلام
في خطابه، أكد السادات على ثوابت الأمة العربية، فرفض التنازل عن “شبر واحد” من الأراضي المحتلة، وشدَّد على أن أمن إسرائيل لا يتحقق إلا بانسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وبتسوية عادلة للقضية الفلسطينية تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. لم يكن السادات يتنازل عن الحقوق، بل كان يطرح حلاً واقعياً ينهي الصراع دون إلغاء أي طرف.
لقد أدرك السادات أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً دائماً، وأن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري المدعوم من الغرب، لن تنعم بالأمن الحقيقي إلا إذا اعترفت بحقوق الفلسطينيين في دولة مستقلة. وهنا تكمن عبقرية الرجل: فقد جمع بين الموقف الثابت من ناحية، والمرونة السياسية من ناحية أخرى، معتبراً أن السلام ليس ضعفاً، بل هو استراتيجية لتحقيق الأمن والاستقرار للجميع.
رؤية متقدمة في زمن التخلف العربي
ما يميز رؤية السادات أنها كانت متقدمة على عصره، بل وما زالت متقدمة على رؤية كثير من الزعماء العرب اليوم. فبينما ظل هؤلاء الزعماء أسرى الشعارات الرنانة والمواقف المتصلبة التي لا تنتج إلا مزيداً من التدهور للقضية الفلسطينية، جاء السادات ليقول كلمة مختلفة: إن الصراع لن يحل بالقوة وحدها، ولا بالخطابات النارية، بل بالحلول السياسية الواقعية التي تراعي موازين القوى وتضمن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على ذلك الخطاب، نجد أن الواقع العربي أكثر انهزامية من أي وقت مضى. فبينما توسع الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وفرض سياسة التهجير الممنهج في القدس، ظل الزعماء العرب عاجزين عن فعل أي شيء ذي قيمة، بل إن بعضهم سارع إلى التطبيع مع إسرائيل دون ضمانات حقيقية لحقوق الفلسطينيين. لقد تحولت القضية الفلسطينية إلى ورقة تفاوضية في يد الأنظمة، بينما الشعب الفلسطيني يعاني التهجير والقتل اليومي.
إسرائيل تريد طرد الفلسطينيين.. والسادات حذر من ذلك
لقد حذر السادات في خطابه من أن إسرائيل لن تكتفي بما لديها، بل ستسعى لطرد الفلسطينيين من أرضهم، وهو ما نراه اليوم جلياً في سياسة التوسع الاستيطاني وتهويد القدس. ومع ذلك، فإن الزعماء العرب اليوم، بدلاً من تبني رؤية استباقية كما فعل السادات، يكتفون بالتصريحات الخجولة أو يشاركون في مؤتمرات تطبيعية لا تضمن حتى الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين.
إن خطاب السادات كان رسالة للعرب وللعالم: أن السلام الحقيقي لا يكون بالقوة وحدها، ولا بالاستسلام، بل بالاعتراف المتبادل وبإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. لكن الزعماء العرب اليوم، للأسف، لم يستفيدوا من هذه الرؤية، وظلوا أسرى التردد والعجز، بينما إسرائيل تواصل فرض الأمر الواقع بمساعدة دعم دولي لا يتزعزع.
الخاتمة: هل من عودة لروح السادات؟
لقد أثبت التاريخ أن رؤية السادات كانت صائبة، فمصر التي اختارت طريق السلام حافظت على أمنها واستعادت أراضيها، بينما الدول التي ظلت تراهن على الصراع دون إستراتيجية واضحة لم تحقق أي تقدم يذكر. السادات قدم نموذجاً للزعيم الشجاع الذي يجمع بين الحكمة والواقعية، بينما نرى اليوم زعماء يختبئون وراء الشعارات أو يهرولون نحو التطبيع دون ضمانات.
السؤال الآن: هل يمكن أن تظهر قيادة عربية جديدة تستلهم روح خطاب السادات، فتقدم رؤية شجاعة تجمع بين التمسك بالحقوق الفلسطينية والدعوة إلى سلام عادل؟ أم أن الأمة العربية ستظل رهينة القادة الذين لا يملكون إلا الخطابات المفرغة من أي مضمون؟ الوقت كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن كل يوم يمر دون حل عادل للقضية الفلسطينية هو انتصار جديد للمشروع الصهيوني، وخسارة جديدة للأمة العربية.
رئيس التحرير