ثقافة
بلاد الشناقطة (الملثمون): النشأة، العلم، ومقاومة الاستعمار

لعبت بلاد الشناقطة (موريتانيا حاليًا) دورًا محوريًا في حفظ التراث الإسلامي ونشره عبر المحاظر العلمية التي أنتجت علماء بارزين ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضًا في عموم الغرب الإسلامي وإفريقيا. كما كان لهؤلاء العلماء أدوار سياسية وجهادية في مواجهة الاستعمار الأوروبي. تبحث هذه الدراسة في أبرز علماء شنقيط القدامى والمحدثين، مع التركيز على إسهاماتهم العلمية ودورهم في مقاومة الاستعمار.
أبرز علماء شنقيط القدامى وإسهاماتهم
1. الشيخ سيدي أحمد الزروقي (ت. 1022هـ/1613م)
- ملفّه العلمي: أحد كبار علماء تيشيت، تخصص في الفقه المالكي والحديث، وترك مؤلفات في أصول الدين.
- دوره خارج البلاد: انتقل إلى المغرب الأقصى حيث درس في فاس، وكانت له مراسلات مع علماء مراكش.
- التأثير اللاحق: أصبحت مؤلفاته مراجع في المحاظر المغاربية، وساهمت في توحيد المذهب المالكي.
2. الشيخ محمد اليدالي (ت. 1166هـ/1753م)
- ملفّه العلمي: عالم لغوي وفقيه، أشهر مؤلفاته “منح الرب الغفور في اختصار الشفا للقاضي عياض”.
- دوره في مقاومة الاستعمار: رغم وفاته قبل الحقبة الاستعمارية، إلا أن تلامذته مثل الشيخ سيديا الكبير قادوا حركات جهادية ضد الفرنسيين.
3. الشيخ سعد بوه بن أبي المعالي (ت. 1276هـ/1859م)
- ملفّه العلمي: فقيه ومفسر، قام بشرح “مختصر خليل” وترك رسائل في الرد على البدع.
- دوره السياسي: تحالف مع الأمير محمد الحبيب (أمير الترارزة) لتنظيم المقاومة ضد التغلغل الفرنسي.
4. الشيخ محمد المامي بن البخاري (ت. 1285هـ/1868م)
- ملفّه العلمي: مؤسس محظرة أطار، وكان مرجعًا في النحو والعقيدة.
- دوره الجهادي: أفتى بوجوب مقاومة الفرنسيين، وحرّض القبائل على عدم التعاون مع المستعمر.
5. الشيخ سيديا الكبير (ت. 1284هـ/1867م)
- ملفّه العلمي: شيخ محظرة “بوتلميت”، وألف عشرات الكتب في الفقه والتصوف.
- دوره في الجهاد: قاد تحالفات قبلية ضد الفرنسيين، وكانت فتاواه تحرّض على المقاومة.
دور علماء شنقيط في مقاومة الاستعمار الفرنسي
لم يقتصر دور العلماء على التدريس، بل قادوا حركات جهادية وسياسية، منها:
1. تحالفات القبائل والفتاوى الجهادية
- أصدر علماء مثل الشيخ سيديا بابا بن الشيخ سيديا الكبير (ت. 1346هـ/1927م) فتاوى تحرّم التعاون مع الفرنسيين.
- نظّم الشيخ ماء العينين القلقمي (ت. 1328هـ/1910م) مقاومة مسلحة من جنوب المغرب وشمال موريتانيا.
2. المحاظر كمراكز للمقاومة الفكرية
- رفض علماء مثل الشيخ محمد يحيى الولاتي (ت. 1330هـ/1912م) التعليم الاستعماري، وحافظوا على المنهج التقليدي.
- استخدم الشيخ محمد الحسن ولد الددو (معاصر) التراث العلمي الشنقيطي في تفنيد الأفكار الاستعمارية.
الخاتمة
مثّل علماء شنقيط نموذجًا فريدًا يجمع بين الإشعاع العلمي والمقاومة السياسية. فبينما كانت مؤلفاتهم تدرس من المغرب إلى السودان، كانت فتاواهم تشعل روح الجهاد ضد الاستعمار. ولا يزال هذا الإرث حيًا في موريتانيا المعاصرة، حيث يحافظ العلماء على الهوية الإسلامية والانتماء العربي-الإفريقي.
المراجع
- أحمد بابا المسكي، “علماء شنقيط والجهاد ضد الاستعمار”.
- المختار ولد حامدون، “دور المحاظر في المقاومة الوطنية”.
- محمد المختار الشنقيطي، “أعلام موريتانيا: من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري”.